ساسي سالم الحاج

28

نقد الخطاب الاستشراقي

الفصل الثاني مراحل الاستشراق إن الموضوع الذي سنتعرض له في الصفحات التالية هو العلاقة بين الشرق والغرب منذ التماس الواقع بين الفرس واليونان ، وتأثير الثقافة اليونانية على تكوين العقلية الفلسفية التي انتقلت بعدئذ للمسلمين ، خاصة مرحلة التطور التي كان الفكر اليوناني قد وصل إليها بعد احتلال الإسكندر الأكبر لمنطقة آسيا الصغرى حتى تخوم الصين . كانت العلاقات الأولى بين الشرق والغرب التي اتخذت طابعا تجاريّا ترجع إلى أيام الكنعانيين ، ثم تلا ذلك علاقات الحرب والاحتلال بين العالمين المميزين جغرافيا بالشرق والغرب . ففي القرن السادس قبل الميلاد قامت الدولة الفارسية واتسعت رقعتها بحيث امتدت من حوض نهر السند إلى آسيا الصغرى . وبعد ذلك نشبت الحروب الطاحنة بين الفرس واليونان وكانت الغلبة في البداية لفارس على المدن اليونانية أثينا وإسبرطة ، ثم رجحت كفة اليونان الذين استطاعوا في النهاية طرد الغزاة القادمين من الشرق . وبعد انكشاف الخطر الفارسي وانحساره رغب اليونان في التعرف إلى هذا العالم الذي أتى منه هؤلاء الغزاة ، لتوضيح أسباب النزاع أولا ، ولمعرفة العدو معرفة وثيقة ثانيا . وكان أول باحث علمي استقرأ هذه الظروف والأحوال وسجلها في سفر خالد هو المؤرخ اليوناني الشهير ( هيردوتس ) الذي جمع معلومات كثيرة وقيمة عن الأصقاع التي زارها . فقد تناول كتابه أرض الرافدين ومصر وبلاد الشام ، كما تناول الجزيرة العربية وسكانها ، وعاداتها وتجاراتها والسلع التي تأتي إليها وتصدر منها « 1 » . وبالرغم من العديد من الحقائق العلمية التي سطّرها « أبو التاريخ » في سفره فإن هذا السفر مليء بالأساطير والخرافات والأشياء ذات الخوارق

--> ( 1 ) د . نقولا زيادة ، الغرب يشرق ، مقال في مجلة الفكر العربي ، رقم 31 ، المرجع السابق 31 .